سيد محمد طنطاوي

232

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ومع هذا التكريم من اللَّه - تعالى - لنبيه ، إلا أنه صلى اللَّه عليه وسلَّم كان يقسم بينهن إلى أن لحق بربه ؟ عدا السيدة سودة ، فإنها قد وهبت ليلتها لعائشة . . أخرج البخاري عن عائشة رضى اللَّه عنها - أن رسول اللَّه - صلى اللَّه عليه وسلَّم كان يستأذن في يوم المرأة منا بعد أن نزلت هذه الآية ترجى من تشاء منهن . . فقيل لها : ما كنت تقولين ؟ فقالت : كنت أقول : إن كان ذاك إلىّ فإني لا أريد يا رسول اللَّه أن أوثر عليك أحدا « 1 » . وقوله - تعالى - : * ( ومَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ) * . زيادة في التوسعة عليه صلى اللَّه عليه وسلَّم وفي ترك الأمر لإرادته واختياره . أي : أبحنا لك - أيها الرسول الكريم - أن تقسم بين نسائك ، وأن تترك القسمة بينهن ، وأبحنا لك - أيضا - أن تعود إلى طلب من اجتنبت مضاجعتها إذ لا حرج عليك في كل ذلك . بعد أن فوضنا الأمر إلى مشيئتك واختيارك . فالابتغاء بمعنى الطلب ، وعزلت بمعنى اجتنبت واعتزلت وابتعدت ، ومن شرطية ، وجوابها : * ( فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ) * أي : فلا حرج ولا إثم عليك في عدم القسمة بين أزواجك ، وفي طلب إيواء من سبق لك أن اجتنبتها . قال الشوكاني : والحاصل أن اللَّه - سبحانه - فوض الأمر إلى رسوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم كي يصنع مع زوجاته ما شاء ، من تقديم وتأخير ، وعزل وإمساك ، وضم من أرجأ ، وإرجاء من ضم إليه ، وما شاء في أمرهن فعل توسعة عليه ، ونفيا للحرج عنه « 2 » . واسم الإشارة في قوله : * ( ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ ، ولا يَحْزَنَّ ويَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ . . ) * يعود إلى ما تضمنه الكلام السابق من تفويض أمر الإرجاء والإيواء إلى النبي صلى اللَّه عليه وسلم . وأدنى بمعنى أقرب . و * ( تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ ) * كناية عن تقبل ما يفعله معهن برضا وارتياح نفس . يقال قرت عين فلان ، إذا رأت ما ترتاح لرؤيته ، مأخوذ من القرار بمعنى الاستقرار والسكون . . وقوله : * ( ولا يَحْزَنَّ ) * معطوف على * ( أَنْ تَقَرَّ ) * وقوله * ( ويَرْضَيْنَ ) * معطوف عليه - أيضا - .

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 6 ص 437 . ( 2 ) تفسير فتح القدير ج 6 ص 293 .